القرطبي

128

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أي بدائم . وقيل : يشبه بعضه بعضا ، أي قد استمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشئ له حقيقة بل الجميع تخييلات . وقيل : معناه قد مر من الأرض إلى السماء . ( وكذبوا ) نبينا ( واتبعوا أهواءهم ) أي ضلالاتهم واختياراتهم . ( وكل أمر مستقر ) أي يستقر بكل عامل عمله ، فالخير مستقر بأهله في الجنة ، والشر مستقر بأهله في النار . وقرأ شيبة ( مستقر ) بفتح القاف ، أي لكل شئ وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر . وقد روي عن أبي جعفر بن القعقاع ( وكل أمر مستقر ) بكسر القاف والراء جعله نعتا لأمر و ( كل ) على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف ، كأنه قال : وكل أمر مستقر في أم الكتاب كائن . ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة ، المعنى : اقتربت الساعة وكل أمر مستقر ، أي اقترب استقرار الأمور يوم القيامة . ومن رفعه جعله خبرا عن ( كل ) . قوله تعالى : ( ولقد جاءهم من الانباء ) أي من بعض الانباء ، فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه ، وأن لهم فيه شفاء . وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك ، وإنما اقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك ، وذلك قوله تعالى : ( ولقد جاءهم من الانباء ) أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية ( ما فيه مزدجر ) أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه . وأصله مزتجر فقلبت التاء دالا ، لان التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور ، فأبدل من التاء دالا توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر . و ( مزدجر ) من الزجر وهو الانتهاء ، يقال : زجره وازدجره فانزجر وازدجر ، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف ، كما قال : فأصبح ما يطلب الغانيات * مزدجرا عن هواه ازدجارا وقرئ ( مزجر ) بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاي فيها ، حكاه الزمخشري . ( حكمة بالغة ) يعني القران وهو بدل من ( ما ) من قوله : ( ما فيه مزدجر ) . ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف ، أي هو حكمة . ( فما تغن النذر )